ابن ميثم البحراني

424

شرح نهج البلاغة

الجبابرة المتكبّرين مع ما فضّلوا به من الحصول على آجل الآخرة الَّذي لم يشاركهم أهل الدنيا فيه كقوله تعالى « ومَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وما لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ » ( 1 ) وأمّا الزاد المبلَّغ لهم إلى ساحل العزّة وحضرة الجلال فهو التقوى الَّذي اتّصفوا به كما قال تعالي « وتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى » ( 2 ) وقد علمت معنى كونه زادا غير مرّة . واستعار للتقوى والطاعة لفظ المتجر باعتبار كون الغاية المقصودة منها استعاضة ثواب اللَّه المشبه للثمن ، ورشّح بذكر المربح : أي المكسب للربح ، وذلك باعتبار زيادة فضل ثواب اللَّه في الآخرة على ما بذله العبد من نفسه من العمل . وقوله : أصابوا لذّة زهد الدنيا . إشارة إلى بعض ما يزود به من اللذّات في الدنيا وهو لذّة الزهد . إذ كان لهم بطرح الدنيا عن أعناق نفوسهم ووصولهم بسببه إلى ما وصلوا إليه من الكمالات العالية ابتهاجات عظيمة أجلّ وأعلى ممّا يعده المترفون والمتكبّرون لذّة وخيرا . وهم الَّذين يحقّ لهم أن يتكبّروا على المتكبّرين . إذ كان الكمال الَّذي به تكبّر المتكبّرون أمرا خاليا ضعيفا بالقياس إلى الكمال الحقّ الَّذي حصل عليه هؤلاء . وقوله : وتيقّنوا أنّهم جيران اللَّه غدا . أي يوم القيامة ، وهو إشارة إلى جهة فرحهم بجوار اللَّه والتذاذهم به المضاف إلى ما أصابوه من لذّة زهد الدنيا وتلك الجهة هي ما حصلوا عليه من اليقين باللَّه والوصول التامّ إليه بعد مفارقة الأبدان ، وذلك معنى جواره . وقوله : لا تردّ لهم دعوة . إشارة إلى بعض فضائلهم الَّتي انفردوا بها أيضا المتفرّعة على كمال نفوسهم وكرامتهم عند اللَّه اللازمة عن لزوم طاعته وهو كونهم مجابي الدعوة مع ما شاركوا غيرهم فيه من تمام اللذّة في الدنيا وانفردوا به من تمامها في الآخرة .

--> ( 1 ) 42 - 19 . ( 2 ) 2 - 192 .